علي محمد علي دخيل

779

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الجبال معها أيضا وتضطرب بمن عليها وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا أي رملا سائلا متناثرا . ثم أكّد سبحانه الحجة على أهل مكّة فقال إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا يعني محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم شاهِداً عَلَيْكُمْ أي يشهد عليكم في الآخرة بما يكون منكم في الدنيا كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ بمصر رَسُولًا يعني موسى بن عمران فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ولم يقبل منه ما دعاه إليه فَأَخَذْناهُ بالعذاب أَخْذاً وَبِيلًا أي شديدا ثقيلا مع كثرة جنوده ، وسعة ملكه ، حذّرهم سبحانه أن ينالهم مثل ما نال فرعون وقومه فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ ولم تؤمنوا برسولكم يَوْماً أي عقاب يوم يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً وهو جمع أشيب ، وهذا وصف لذلك اليوم وشدته كما يقال : هذا أمر يشيب منه الوليد ، وتشيب منه النواصي إذا كان عظيما شديدا والمعنى : بأيّ شيء تتحصّنون من عذاب ذلك اليوم إن كفرتم ، وكيف تدفعون عنكم ذلك ؟ ثم زاد في وصف شدة ذلك اليوم السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ المعنى : أن السماء تنفطر وتنشق في ذلك اليوم من هوله كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا أي كائنا لا خلف فيه ولا تبديل إِنَّ هذِهِ الصفة التي ذكرناها وبيناها تَذْكِرَةٌ أي عظة لمن أنصف من نفسه ، والتذكرة : الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي فمن شاء من المكلفين اتّخذ إلى ثواب ربه سبيلا ، لأنه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل إلى الثواب وقد رغّبه اللّه تعالى فيه ، ودعاه إلى فعل ما يوصله إليه ، وبعث رسولا يدعوه إليه ، فمن لم يصل إليه فبسوء اختياره انصرف عنه . 20 - ثم خاطب سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال إِنَّ رَبَّكَ يا محمد يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى أي أقرب وأقل مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ أي أقلّ من نصفه وثلثه ، والهاء تعود إلى الليل ، أي نصف الليل وثلث الليل والمعنى : أنك تقوم في بعض الليالي قريبا من الثلثين ، وفي بعضها قريبا من نصف الليل ، وقريبا من ثلثه ، وقيل : إنّ الهاء تعود إلى الثلثين ، ومن ثلث الثلثين ، وإذا نصبت فالمعنى : تقوم نصفه وثلثه وَ تقوم طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ على الإيمان ، وروى الحاكم أبو القاسم إبراهيم الحسكاني بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله : وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ قال : عليّ وأبو ذر وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ معناه : لا يفوته علم ما تفعلون عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال مقاتل : كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام ، فقال سبحانه : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ، أي لن تطيقوا معرفة ذلك وقال الحسن : قاموا حتى انتفخت أقدامهم فقال سبحانه : إنكم لا تطيقون إحصاءه على الحقيقة وقيل معناه لن تطيقوا المداومة على قيام الليل ويقع منكم التقصير فيه فَتابَ عَلَيْكُمْ بأن جعله تطوعا ولم يجعله فرضا عن الجبائي وقيل معناه : فلم يلزمكم إثما كما لا يلزم التائب أي رفع التبعة فيه كرفع التبعة عن التائب وقيل : فَتابَ عَلَيْكُمْ أي فخفّف عليكم فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ الآن ، يعني في صلاة الليل عن أكثر المفسرين ، وأجمعوا أيضا على أن المراد بالقيام المتقدم في قوله : قُمِ اللَّيْلَ هو القيام إلى